أمناء الأقصى للدعاة وخريجي الشريعة

مشهد عشرات الآلاف في ساحة البراق، على الجدار الغربي للمسجد الأقصى، ينبغي ألا يُقرأ من زاوية العدد وحده، ولا باعتباره مجرد ممارسة دينية موسمية؛ فالمقاربة المقاصدية تسأل دائمًا: ما السياق؟ وما المسار؟ وما المآل؟

والسياق اليوم بالغ الحساسية؛ إذ تتزامن هذه الحشود مع تصاعد الطقوس اليهودية في محيط الأقصى، بل وصلت مؤخرًا إلى جوار باب الرحمة شرقي المسجد، مع النفخ في «الشوفار»، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى توسيع الطقوس والاقتحامات داخل الأقصى نفسه.

وهنا تظهر خطورة التراكم؛ فالتحولات الكبرى في المقدسات لا تقع بالضرورة بقرار واحد يقول: لقد تغيرت هوية المكان. قد تبدأ بحشود، ثم طقوس، ثم اعتياد اجتماعي، ثم حماية أمنية، ثم توسيع للممارسة، ثم مطالبة بتحويل الواقع الناشئ إلى «حق»، حتى يصبح الاستثناء قاعدة والطارئ واقعًا مستقرًا.

وهذا هو عين ما يوجب فقه المآلات؛ فالشريعة لا تنظر إلى الفعل منعزلًا عن النتائج التي يقود إليها. وحفظ المسجد الأقصى ليس حفظًا لحجارة ومبانٍ فحسب، وإنما هو حفظ للدين والهوية والحق والتاريخ والسيادة على المقدسات؛ فهو المسجد الذي ربطه القرآن بالمسجد الحرام في آية واحدة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1].

ولذلك فإن من أخطر الأخطاء أن نمارس التجزئة في قراءة الأحداث: خمسون ألفًا اليوم خبر، واقتحام غدًا خبر، وطقوس داخل الأقصى خبر، وإغلاق طريق خبر، وتصريح لبن غفير خبر. أما القراءة المقاصدية فتعيد جمع هذه الجزئيات وتسأل: إلى أي واقع كلي تقود؟

ومن هنا لا يكفي واجب الإنكار، بل يجب الانتقال إلى واجب الاستباق. وهذه الأيام المقبلة معلومة المواعيد سلفًا؛ والبرنامج المعلن لمراسم «السليخوت» يمتد حتى 20 سبتمبر، ثم يأتي عيد المظال في أواخر الشهر. فلا يصح أن تعرف الأمة مواسم الخطر، ثم تنتظر كل اقتحام حتى يقع لتصدر بيانًا جديدًا.

والواجب الآن هو استنفار متكامل للأدوار: العلماء يرفعون الوعي الشرعي ويعيدون الأقصى إلى المنابر؛ والإعلام يبني تغطية استباقية يومية لا موسمية؛ والمؤسسات القانونية والحقوقية توثق كل تغيير وتلاحقه؛ والجهات السياسية والدبلوماسية تتحرك قبل الوقائع لا بعدها؛ وأهل القدرة والمال يدعمون صمود المقدسيين ومؤسساتهم؛ وتبقى الشعوب حاضرة بالوسائل المدنية والقانونية المشروعة، فلا يتحول تكرار المشاهد إلى تطبيع نفسي معها.

وأخص الواجبات اليوم هو دعم الوجود المقدسي حول الأقصى؛ فالإنسان المقدسي المرابط في بيته ومتجره ومدرسته ومسجده ليس مجرد ساكن في مدينة محتلة، وإنما يمثل عنصرًا أساسيًا في حفظ هوية المكان ومنع الاستفراد به.

لقد رأينا قبل أيام بن غفير يتحدث عن تغيير الواقع «خطوة بخطوة»، واليوم نشاهد عشرات الآلاف يتحركون في موسم ديني منظم. وهنا ينبغي أن تتغير معادلة تعاملنا مع الأقصى:
إذا كان مشروع التهويد يعمل بالتراكم، فلا تُحمى القدس بالموسمية.

وإذا كانوا يخططون للمواسم قبل مجيئها، فلا يجوز أن تبدأ الأمة عملها بعد وقوع الاعتداء.
وإذا كانت المعركة على الوعي والهوية والوجود، فكل مسلم ومؤسسة وعالم وإعلامي وصاحب قرار له ثغر يقف عليه.
الأقصى في هذه الأسابيع لا يحتاج إلى أن ننتظر أخباره؛ بل إلى أن نسبق أخطاره.